عن التنمية والانتخابات/ بقلم: محسن ابو رمضان

تشير المعطيات الخاصة بالأحوال الاجتماعية والاقتصادية أو التنموية العامة باستمرارية حالة التراجع والتقهقر ليس فقط في معدلات الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد السنوي، بل في تصاعد ظاهرة البطالة والفقر والعجز المتراكم في الميزانية وكذلك استمرارية حالة الاختلال في إعدادها لصالح النفقات الاستهلاكية على حساب النفقات الإنتاجية والاستثمارية على حساب القطاعات الاجتماعية، بالإضافة إلى سوء الأداء الإداري والمالي وتعزيز الاستقطاب بين شريحة اجتماعية متنفذة سياسيا واقتصاديا على حساب الطبقات الاجتماعية الضعيفة والسواد الأعظم من الناس، إضافة لاستمرارية انعدام البيئة القانونية المحفزة لعملية الاستثمار من خلال تبهيت القضاء وعدم استقلاليته وإهمال تنفيذ قراراته حيث عمقت حالة غياب القانون من توجهات المواطنين لأخذ القانون باليد والانضواء ضمن تجمعات في سياق اعتقاد أن تلك التجمعات ضمن آليات القوة يمكن أن تحصل على الحقوق خاصة في ظل شعور هؤلاء المواطنين بالحرمان من الحق في العمل والمعيشة اللائقة والكريمة في الوقت الذي تنفق به الأموال لصالح الأبعاد الاستهلاكية الأمر الذي عزز من ظاهرة الفلتان غير المبررة.
ولعل إخفاق السلطة التنفيذية بالشروع الجاد في اتجاه تنفيذ خطوات إصلاحية على مستوى التشريعات والسياسات التنموية قد رسخ انطباعا دوليا حول عدم جدارة السلطة بإدارة الشؤون الوزارية والمالية والتنموية، وقد تجلى ذلك في تقرير البنك الدولي الأخير وكذلك فشل اجتماع لندن والتي رفضت بموجبه الدول المانحة تقديم معونات طارئة لصالح سد العجز في موازنة السلطة، الأمر الذي يشير أن هذا الإخفاق في إدارة الشئون الإدارية والمالية قد شكل أداة مسلطة على رقبة السلطة والمجتمع الفلسطيني في سياق تدخل الدول الكبرى في الشؤون الفلسطينية الخاصة والتي برزت مؤخرا من خلال التصريحات الأخيرة بخصوص العملية الانتخابية الجارية.
من الطبيعي أن يحدث هذا التدخل في ظل استمرارية سياسة العجز والانكشاف والتبعية وعدم استخدام آليات الاكتفاء الذاتي أو الاعتماد على النفس وعلى القدرات الاقتصادية الفلسطينية والعربية في اتجاه تغطية جزء من هذا الانكشاف في سبيل إعطاء رسالة عالمية عن قدرة شعبنا على الاعتماد على نفسه وعدم تبعيته المطلقة بالصورة التي تؤدي إلى تدخل قوى العالم في شؤونه الخاصة.
لقد كان بالإمكان فعل الكثير باتجاه إيقاف حالة التقهقر التنموي، فكان يمكن اعتماد تشريعات ضامنة لحقوق الفئات الاجتماعية الضعيفة وكذلك تعزيز المشاركة في صياغة الخطط التنموية بحيث تشمل كل من الوزارة والعمل الأهلي والقطاع لخاص، وكان بالإمكان إعطاء نموذجا للشفافية والمصداقية عبر إقناع العالم بالشروع الجاد في اتجاه تعزيز آليات المساءلة ولمحاسبة وإحياء جهاز القضاء وترسيخ قيم المواطنة المتساوية وكان بالإمكان إنهاء حالة التشرذم والتناقض السياسي بين القوى والفاعليات عبر الاستجابة لتشكيل هيئة وطنية لإدارة الصراع برؤية موحدة تبتعد عن الفئوية وتأخذ بعين الاعتبار القدرة والإمكانية على تحقيق هدف التحرر الوطني وتقرير المصير أخذا بعين الاعتبار المتغيرات الإقليمية والدولية وبالاستناد إلى الإنجازات المتراكمة لصالح  شعبنا وفي مقدمتها قرارات الشرعية الدولية وكذلك قرار محكمة لاهاي الدولية بصدد قضية الجدار.
برأيي إن الإخفاق في تشكيل تلك الهيئة وكذلك عدم الشروع الجاد في تثبيت أسس سيادة القانون قد عمق من حالة الفلتان والفوضى وأدخل المجتمع الفلسطيني في أزمة طاحنة ظهرت في فشل الانتخابات الداخلية في حركة فتح (برايمريز) والإخفاق الأولي في تشكيل قائمة موحدة ولها كذلك في إشكالية تشتت مكونات التيار الثالث أي تلك القوى التي تقع في المنتصف بين حركتي حماس وفتح ودخولها الانتخابات بأكثر من قائمة انتخابية، وكذلك استمرارية النقاش الساخن في حركة حماس بين كل من قيادة الخارج والداخل حول مستقبل الدخول في العملية السياسية بوصف المجلس التشريعي خطوة في هذا الاتجاه، وكذلك التحديات التي تواجه الحركة من خلال أسئلة الجمهور حول أسلوب عملها بعد وجودهم كنواة أساسية في إطار البرلمان الفلسطيني القادم سواء تلك الأسئلة ذات العلاقة بالحياة لداخلية والتي تخص الحريات الشخصية وإبداء الرأي والمعتقد بالاستناد للشرعة الدولية وحقوق الإنسان وكذلك الدستور، وفق مبدأ التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الدورية واحترام جاز القضاء وتعزيز استقلاليته، أو تلك الأسئلة ذات العلاقة بالمواقف السياسية والعلاقات الإقليمية والدولية في ظل استمرارية الاتفاقات السياسية والتزام السلطة الوطنية بالعديد من المواثيق والمعاهدات على المستويات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل استمرارية تلك الاتفاقات وعدم إلغائها.

أعتقد أن الانتخابات يوم 25/1/06 تشكل مدخلا أساسياً لوقف التدهور والتراجع والعمل باتجاه إنهاء حالة الشرذمة والتناقض وتعزيز المشاركة والمحاسبة والمسائلة وترسيخ آليات الشراكة السياسية في صناعة القرار والعمل باتجاه إعادة أحياء م ت ف كهوية معبرة عن حقوق الشعب الفلسطيني، وبالتالي فان التفكير في تأجيلها أو تسويفها أو استبدالها سيعمق وسيرسخ الأزمة الداخلية وسيرسخ من حالة التشرذم والفلتان والفوضى، الأمر الذي يشكل خطراً ليس فقط على تشكيل السلطة بل كذلك على وحدة نسيج المجتمع الفلسطيني الجامع بكل مكوناته المؤسسية والسياسية والمدنية.

وعليه يجب الاستفادة من الانتخابات النيابية القادمة باتجاه إنهاء حالة التقهقر والتراجع والتناقض باتجاه المشاركة والبناء والوحدة، الأمر الذي يستلزم حث الفئات الاجتماعية العريضة على المشاركة وضمان إجراء عملية انتخابية شفافة ونزيهة وهذا يستلزم العمل على تشكيل لجنة تنسيقية وطنية تساعد لجنة الانتخابات المركزية باتجاه استخدام الآليات الأنسب لضمان مسار انتخابي ديمقراطي شفاف ونزيه وهادئ بعيدا عن العنف، حيث أن هذا المسار سيعطي انطباعا ايجابيا عن مدى عصرية وحضارية شعبنا أمام الرأي العام العالمي وعن الإيمان العميق لدى شعبنا بكل قواه وفاعلياته بالخيار الديمقراطي بالإضافة لان هذا المسار سيعمل على تعزيز عملية الشراكة والبناء باتجاه تمكين المؤسسة الفلسطينية وتصويب العلاقة بينها وبين المواطن على أسس من الحقوق في تجاوز لآليات الواسطة والمحسوبية والعلاقات الفردية.

هناك علاقة متداخلة ما بين التنمية والديمقراطية والتي تعتبر الانتخابات الدورية أحد أبرز مظاهرها حيث تساهم الانتخابات في اختيار الأفضل لتمثيل الفئات الاجتماعية المختلفة وكذلك تعمل على محاسبة الشخصيات التي جربت بالمرحلة السابقة، هذه المحاسبة تتم بصندوق الانتخابات كما ستعمل الشخصيات المختارة عبر الانتخابات كل جهدها باتجاه تطبيق برامجها الانتخابية خاصة على المستويات التنموية والحقوقية.
كما ستعمل على ضمان الرقابة على أداء السلطة التنفيذية بالإضافة إلى تشريع القوانين ذات العلاقة بمصالح الفئات الاجتماعية الضيقة والمهمشة.
إن ضمان إجراء الانتخابات في موعدها في كافة الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس يشكل ضرورة برأي لوقف التراجع باتجاه إعادة البناء وتعزيز المشاركة فهي لا يمكن التنازل أو التراجع عنها حيث أنها ستساهم في تعزيز إرادة شعبنا وتمكين بنائه المؤسساتي وسترسخ من حق شعبنا في تقرير المصير.
وحتى نستطيع الاستفادة العملية باتجاه تعزيز التنمية في مجتمعنا بواسطة الممثلين الجدد لشعبنا فعلينا الإمعان باختيار الأفضل وعلينا استمرارية المتابعة عبر تشكيل لجان في المناطق لمسائلة النواب، على قاعدة أن مسؤولية المواطن لا تنتهي بصونه بل تبدأ بها، وذلك من خلال الاستفادة من التجربة الماضية لكي يشعر النائب أنه أمام مسؤولية وأن هناك لجان للمتابعة تساؤله وتحاسبه وتتابع خطواته.
 ولأن التنمية لا تتحقق بدون الحكم السليم الذي تعمل به آليات المسائلة والمحاسبة ومبدأ الانتخابات الدورية واستقلال القضاء فنحن بحاجة لكل تلك الأسباب لإجراء الانتخابات النيابية القادمة لضمان بيئة تنموية مناسبة تعمل على تحقيق مصالح الفئات الاجتماعية الواسعة العريضة والمتضررة.