الانا المضخمة في بلادنا تحكم معظم تصرفات الحزبيين والسياسيين والمثقفيين والاكاديميين / بقلم : الدكتور حسن عبد الله

كل واحد منا في هذه البلاد ، يرى في نفسه القدرة المطلقة ، والمعرفة المطلقة، والحقيقة المطلقة ، وغيره لا يعرف ولا يفقه شيئا . هذا ينطبق على نسبة كبيرة من السياسيين الحزبيين والمثقفيين والاكاديميين ، وعلى الحزب والمؤسسة والعشيرة في بلادنا .
الكل يعتقد انه الرأس الحكيمة ، والعقل المدبر الذي دونه لا يحدث تغيير ولا يقوم للوطن قائمة ، بمعنى ان تربيتنا من الفها الى يائها ، تعتمد الفردية ، وتتغذى على الذاتية ، ولا تقبل ان ترى نقطة بيضاء في الاخر ، وحينما نتحدث عن التكامل والتنسيق والوحدة ، يكون ذلك فقط نظريا وفي اطار تسويق الذات الكبيرة فينا ، لانني اذا قبلت التنسيق مع الاخر ، اقبل لاكون الحلقة المركزية ، ومفتاح الحل والربط وغيري مجرد (( ديكور )) .
السياسي في بلادنا هو مطلق لا يخطئ ، يظل في موقعه حتى لو حدث تحت قدميه زلزال ، والشاعرمثلا حتى لو افتقرت اشعاره الى ابسط المقومات الشعرية ، ينفخ امكاناته الى ابعد مدى ، ولا يرى شاعرا غيره . والفصيل اي فصيل في بلادنا، هو مطلق الايدولوجية ، ومطلق الخط السياسي ، ومطلق الاستراتيجية والتكتيك وغيره مشوه دخيل ، انتهازي ، يتاجر بالقضية .
ما اكثر المطلق في تصرفاتنا ، ومسكين هو النسبي ، وما اكبر الانا ، وما اصغر ال نحن . فما جرى في قطاع غزه ، وما يجري في الكثير من المدن والقرى والبلدات والمخيمات الفلسطينية من احداث مؤسفة ، مرده اننا لا نؤمن بالاخر ، لا نحترمه ، ونعمل من اجل نفيه واقتلاع جذوره وجعله نسيا منسيا .
سؤال كبير ، لماذا لا نعترف بالاخر في مجتمعنا ، ولماذا لا نتكامل معه ، ما دام الوطن ، هو وطن الجميع ، والقضية هي قضيتنا المشتركة ، وما دامت الاحاد فينا تتقصف وتضيع حينما نعزلها ونسلخها عن الكل ؟؟؟؟
في مجتمعنا الكثير من النماذج الايجابية التي يجب الاعتراف بها ، حتى لو اختلفنا معها ، ويجب الاستفادة من امكاناتها وطاقاتها ، حتى لو كانت تشكل منافسا حقيقيا لخطنا او توجهنا السياسي او لموقفنا او دورنا الفكري .
كل فصيل ، او اتجاه سياسي افرزت تجربته خبرات وطاقات من المفروض ان تتكامل مع طاقات وامكانات اخرى ، لانها وحدها وبمعزل عن الاخرين ، يصبح حالها كحال الذي يصرخ في واد سحيق لا يسمع سوى صدى صوته .
في مجتمعنا سياسيون واكاديميون ومثقفون ومفكرون مبدعون ، حيث من العجب ان العالم باسره يعترف بطاقة فكرية فذه كحال الدكتور عزمي بشارة ، بينما هناك مثقفون على الساحة الفلسطينية لا يعترفون به ، لان الاعتراف هنا يسبب خرقا في نرجسيتهم .
وفي السياق ذاته لماذا يحاول البعض التقليل من الشاعرية العظيمة لمحمود درويش بالقول ان له مواقف سياسية لا تعجبهم.
وكذلك لماذا لا يتم التعامل بايجابية مع كل الظواهر والامكانات والخبرات المميزة في بلادنا ؟ فاذا اختلفت على سبيل المثال مع الدكتور عادل سمارة سياسيا، هل استطيع تهميش وتقزيم ما انتجه في الفكر والاقتصاد ، بذريعة ان اختلافي معه يجعلني او يفرض علي ان لا اقرأ له .
اناس متعددو الاتجاهات والمشارب اختلفوا مع الرئيس ياسر عرفات من احزاب وفصائل على مدى التجربة ، فهل نجح اي منهم ان يلغي رمزيته التي تجاوزت حدود المحلي والعربي لتصبح على مستوى دولي ؟؟
الساحة متسعة رحبة وفيها الوان وتجليات متعددة من المواهب . وفي اطار الاتيان بمزيد من الامثلة هل الاختلاف سياسيا مع الدكتور مصطفى البرغوثي، يجيز لاي احد ان يتجاهل ديناميكيتة وعلاقاته الدولية ، وقدرته على ايصال الخطاب السياسي الفلسطيني بسهولة ويسر الى كل المحافل والمستويات الدولية .
ونستطرد اكثر واكثر فهل من حق احد اذا اختلف فكريا مع احمد قطامش ، ان يتجاوز تجربته المميزة الفريدة في العمل السري ،حيث نجح في ممارسة النضال سبعة عشر عاما متخفيا في بقعة جغرافية صغيرة ، اليس ابداع هذه التجربة من المفروض ان يُشكل مفخرة اوسع من قطامش واسرته وحزبه ومدينته .
والمفارقة ان ادوارد سعيد الذي نال اعجاب العالم بفكره ، نجد من يتجاهله على الساحة الفلسطينية ، لان الاعتراف به يتناقض مع التركيب النرجسي لهذا وذاك . وهناك من يكره ناجي العلي ،كون رسوماته لا تنسجم مع توجه سياسي معين .
وبيننا من يصغر تجربة جبريل الرجوب في المعتقلات ، لان الرجوب عمل في الامن بعد ذلك بسنوات ، وكأن تجربة الرجوب من المفروض ان تكون مفصلة تفصيلا على مقاس ذهن س او ص من الناس ،مع تناسي ان تجربة هذا السياسي او الاديب تأتي في اطار ما تنتجه العلاقة الجدلية بين الذاتي والموضوعي . ونستطيع سحب الامثلة على الدكتور محمود محارب في العلوم السياسية والتاريخ ومحمود شقير في القصة القصير وسحر خليفة في العمل الروائي والهام ابو غزالة في النقد ..... الخ .
من السخريه في التجربة الاعلامية ان يأتي اعلامي تخرج للتو من الجامعة وانجز تقريرا او تقريرين ، ليقول ان ما انتجته هو افضل من تجربة طويلة عريضة كتجربة الاعلامي وليد العمري ، هكذا فقط لان الانا الصغيرة قد قادته الى هذا الاستنتاج الخاطئ ، تلك الانا التي ولدت في حاضنة اسمها الانا الكبيرة التي تطحننا وتفسخنا قبل ان تقودنا الى الجحيم .
في بلادنا لا مجال للتقدم والتغيير الا بالاعتراف بالاخر ، فحماس ليس بمقدورها ان تطحن فتح والعكس ، والاثنتان لا تستطيعان ان تنفيا فصائل اصغر منهما عدديا ، وموجودة تاريخيا كالشعبية والديمقراطية وحزب الشعب... الخ ، والفصائل والاتجاهات القديمة على الساحة ليس بمقدورها ان تشطب او تتجاوز اتجاهات جديدة مثل المبادرة الوطنية الفلسطينية او تجمعات سياسية برزت مؤخرا .
لقد نجح المعتقلون الفلسطينيون في فترة من الفترات تحييد الانا الفصائلية نوعا ما ، فعمر القاسم كان حجم فصيله صغيرا في المعتقلات على المستوى العددي ، لكنه كان مرجعا للجميع . واليوم هناك اسماء مثل سعيد العتبة واحمد سعدات ومروان البرغوثي يلتف حولهم المعتقلون بصرف النظر عن اسم الفصيل وحجمه .لذا فان تجربة المعقتلين يمكن البناء عليها ، والمقصود بالنسبة الى انفتاحها على الاخر ، وتكامل طاقاتها وامكاناتها بخاصة وان هذه التجربة مكنت المعتقلين من الصمود ، رغم مفارقة قد تبرز في هذه التجربة بعد التحرر ، اذ ان عددا كبيرا ممن يتخرجون من مدرسة الاعتقال ، يقاومون الانا الكبيرة في مجتمعنا ، يحاولون الصمود امامها ، الا ان موجها الهادر يجرف ويغرق في واقع، فيه الكثير من التشويه .
ان التجربة الفلسطينية افرزت احزابا ومفكرين ، وافرزت اطرا ومؤسسات وتمخض عنها مبدعون حظيوا باعتراف واحترام على مستوى العالم ، بمعنى اننا لو اردنا ان نحصي المظاهر والتجسدات الايجابية للتجربة لوجدنا نماذج عديدة، الا ان ما يمزقنا ويشتت جهودنا هو تخندقنا واستماتتنا خلف الانا ، اعتقادا ان كل واحد فينا هو الاساس وغيره لا وجود له ، وان تم الاعتراف بهذا الوجود ، يصنف في خانة الهوامش .
لذلك اننا بحاجة الى حرب قاسية على الانا ، لتصغيرها ، او لجعلها تأخذ حجمها الطبيعي ، لكي يتسنى لها رؤية ، الانا لدى الاخر وملامستها ذهنيا وعمليا ، والتعامل معها من باب الحاجة والمنفعة المتبادلة ، والشعور المشترك بان فردا واحدا لا يمكن ان يقول الحقيقة كل الحقيقة .
وان جهة معينة مهما بلغ تنظيمها واعتدادها بنفسها تظل تغرد خارج السرب ، اذا لم يتناغم ويتناسق تغريدها مع تغريد الاخرين .
ان ما جرى في قطاع غزه ، من محاولة طمس الاخر بل ونفيه ، كان من المفروض ان يقض مضاجعنا ، ويجعلنا جميعا لا ننام بهدوء ليلة واحدة ، لانه كشف وعرى هشاشة ثقافية وفكرية ، طالما تغاضينا عنها ، بل وربما زورناها ونحن نتصور ان مدينتنا هي المدينة الفاضلة ، لنكتشف ،او الادق ليكتشف بعضنا ان هذه المدينة تحتاج الى اعادة هيكلة وبرمجة من روضة الاطفال حتى اعلى الهرم الاكاديمي والثقافي والاجتماعي والسياسي .